السيد الطباطبائي
186
بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )
وجود في خارجه ، بل السمع إذا اتّصل بالارتعاش بعدد كذا ، ظهر في السمع في صورة الصوت ؛ وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشا ، ظهر في البصر في صورة الضوء واللون » ، فالحواسّ ، التي هي مبادئ الإدراك ، لا تكشف عمّا وراءها من الحقائق ، وسائر الإدراكات منتهية إلى الحواسّ . وفيه : أنّ الإدراكات إذا فرضت غير كاشفة عمّا وراءها ، فمن أين علم أنّ هناك حقائق وراء الإدراك لا يكشف عنها الإدراك ؟ ! ثمّ من أدرك أنّ حقيقة الصوت في خارج السمع ارتعاش بعدد كذا ؟ ! وحقيقة المبصر في خارج البصر ارتعاش بعدد كذا ؟ ! وهل يصل الإنسان إلى الصواب الذي يخطئ فيه الحواسّ ، إلّا من طريق الإدراك الإنسانيّ ؟ ! وبعد ذلك كلّه ، تجويز أن لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه ، لا يحتمل إلّا السفسطة ، حتّى أنّ قولنا : « يجوز أن لا ينطبق شيء من إدراكاتنا على الخارج » لا يؤمن أن لا يكشف - بحسب مفاهيم مفرداته والتصديق الذي فيه - عن شيء . الفصل التاسع وينقسم العلم الحصوليّ إلى حقيقيّ واعتباريّ والحقيقيّ : هو المفهوم الذي يوجد تارة بوجود خارجيّ فيترتّب عليه آثاره ، وتارة بوجود ذهنيّ لا تترتّب عليه آثاره ، وهذا هو « الماهيّة » . والاعتباريّ : ما كان بخلاف ذلك ، وهو إمّا من المفاهيم التي حيثيّة مصداقها حيثيّة أنّه في الخارج ، كالوجود وصفاته الحقيقيّة كالوحدة والفعليّة وغيرهما ، فلا يدخل الذهن ، وإلّا لانقلب 1 ؛ وإمّا من المفاهيم التي حيثيّة مصداقها حيثيّة أنّه في الذهن ، كمفهوم الكلّي والجنس والنوع ، فلا يوجد في الخارج ، وإلّا لانقلب . وهذه المفاهيم إنّما يعملها الذهن بنوع من التعمّل ، ويوقعها على مصاديقها ، لكن لا كوقوع الماهيّة وحملها على أفرادها ، بحيث تؤخذ في حدّها 2 .
--> ( 1 ) أي لانقلب عمّا هو عليه . ( 2 ) وتفصيلها في نهاية الحكمة : 315 - 316 .